| التاريخ :5/5/1432 هـ | د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف | ||||
| يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا | |||||
« الغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختلُّ ، وتؤرجح في أكفِّهم ميزان القِيَم ؛ فلا يملكون تصوُّر الحياة وأحداثها وقيمها تصوُّراً صحيحاً ، ويظل علمهم بها ظاهراً سطحياً ناقصاً ؛ لأن حساب الآخرة في ضمير الإنسان يغيِّر نظرته إلى كل ما يقع في هذه الأرض ؛ فحياته على الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون . ومن ثمَّ لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها ، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ، ولا ينتظر ما وراءها ؛ لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة ، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة ، فلكل منهما ميزان ؛ هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا ، وذاك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن ونواميس شاملة للظاهر والباطن ، والغيب والشهادة ، والدنيا والآخرة ، والحياة والموت ... » [1] . هذا ما سطَّره المفكر الأديب سيّد قطب - رحمه الله - عند قوله - تعالى - :] يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [ (الروم : 7) . والإعراض عن دار الخلود يورث في هذه الدنيا هشاشةً في المواقف والنوازل ، وإيثاراً للراحة والسلامة ، وملاينةً للأعداء ، وتنصُّلاً من المسؤوليات الجِسَام ؛ فمن كانت الدنيا همّه وشغله وهِجِّيراه [2] ؛ أتراه يبذل وقته وماله وقلمه في سبيل الله تعالى ؛ فضلاً عن أن يقدِّم مهجته ؟! وقد أشار الأستاذ الكبير د . محمد محمد حسين - رحمه الله - إلى ذلك بقوله : « إن الناس في ضعفهم البشري ، وتمسُّكهم الشديد بالحياة الدنيا ؛ لا يدركون من الحروب والصراع إلا الجانب الذي يكرهونه ويخافونه ، وهو العذاب والآلام التي تصاحب الصراع ، والموت الذي قد ينتهي به ، ولكن نظرة متدبِّرة تهدي المؤمنين إلى أن الآلام والموت على امتداد الحياة الكبرى ليست إلا بعض المكاره القليلة الخطر على الامتداد الطويل المديد الذي لا يحدّه الخيال ، لا يكاد يذكرها الإنسان بعد أن يتجاوزها إلى ما وراءها ، فهي لا تزيد عما يقابله في طفولته ، أو صباه ، أو شبابه ، أو بعض أطوار حياته من ضروب المعاناة في الأمراض أو الحوادث » [3] . والغفلة عن الآخرة ، وضعف اليقين بأحوال القيامة قد شمل القاصي والداني ، والبرّ والفاجر ، والذكر والأنثى - إلا ما شاء الله - فمستقل ومستكثر ، وفتِّش نفسك هل أنت سالم ؟! لقد حذَّر السلف الصالح من الغفلة عن الآخرة ، وعدم تذكُّر أهوال الآخرة وزواجرها ؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة . ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرَّق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له » [4] . وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله ، والنار مثل ذلك » [5] . قال ابن حجر : « فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه ، ولا في قليل من الشرِّ أن يجتنبه، فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ، ولا السيئة التي يسخط عليه بها » [6] . وكان الحسن البصري - رحمه الله - يقول : « لقد رأيتُ رجالاً لو رأيتموهم لقلتم : مجانين ، ولو رأوكم لقالوا : هؤلاء شياطين ، ولو رأوا خياركم لقالوا : هؤلاء لا خلاق لهم ، ولو رأوا شراركم لقالوا : هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب »[7] . وكان للحسن مجلس خاص في منزله لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك [8] . ومن خواطر ابن الجوزي ومواعظه : « من تفكَّر في عواقب الدنيا أخذ الحذر ، ومن أيقن بطول الطريق تأهَّب للسفر . ما أعجب أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه ، ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه ، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه . تغترُّ بصحتك وتنسى دنوَّ السقم ، وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم ، لقد أراك مصرعُ غيرك مصرعَك . وكيف تنامُ العينُ وهي قريرةٌ ولم تدرِ من أيِّ المحلّين تنزلُ » [9] وقال أيضاً : « همة المؤمن متعلقة بالآخرة ، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة ، وكل من شَغَله شيء فهمّته شغله . ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيتَ البَزَّاز ينظر إلى الفرش ويحزر قيمته ، والنجار إلى السقف ، والبنَّاء إلى الحيطان ، والحائك إلى النسيج المخيط . والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر ، وإن رأى مؤلماً ذكر العقاب ، وإن سمع صوتاً فظيعاً ذكر نفخة الصور ، وإن رأى الناس نياماً ذكر الموتى في القبور ، وإن رأى لذَّة ذكر الجنة ، فهمّته متعلقة بما ثَمَّ ، وذلك يشغله عن كل ما تمَّ » [10] . إن الإيمان بالآخرة أصل صلاح القلب ، وأصل الرغبة في الخير والرهبة من الشر ، اللذان هما أساس الخيرات ، فالإيمان بيوم القيامة يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء اللذين إن خلا القلب منهما ؛ خرب كلَّ الخراب ، وإن عُمر بهما أوجب له الخوفُ الانكفافَ عن المعاصي ، والرجاءُ تيسيرَ الطاعة وتسهيلها [11] . ومع كثرة الخطط الدعوية والبرامج التربوية عند الإسلاميين ؛ إلا أن هذا الجانب الإيماني الروحاني الجليل لم يُعْطَ حقه من الاحتفاء وتربية الأجيال عليه ؛ إذ لا يتولى هذا الشأن إلا من قلَّ علمه وقدره . لقد كان الوعاظ في قديم الزمان علماء وفقهاء ، وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول : ما أحوج الناس إلى قاضٍ صدوق [12] . إن الناظر في واقع الصحوة الإسلامية - فضلاً عن واقع عامة المسلمين - ليلاحظ جملة من الآفات السلوكية والأخلاقية ، باعثها ضعف الإيمان باليوم الآخر ، ومن ذلك : الفتور عن العمل الدعوي لأجل الدنيا أو الأهل ، وأسوأ من ذلك تسخير العمل الدعوي ولَيُّه في سبيل تحصيل حظوظ الدنيا ! وكذا استرواح المداهنة لأعداء الله تعالى ، واللياذ بالمواقف العائمة التي لا تهدم باطلاً ولا تنصر حقاً ، والانبهار بالحضارة المادية ، والتولِّي عن مقارعة أئمة الكفر والبدع والفجور ، وغياب الأخلاق والمروءات ؛ كالشجاعة والكرم والنصرة ، وتتبُّع رخص الفقهاء .. إلخ . ورحم الله ابن القيم إذ يقول : « لا تتمُّ الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بالنظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد ، ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرَّات ، كما قال الله - سبحانه - : ] وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [ (الأعلى : 17) ، فهي خيرات كاملة دائمة ، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة » [13] . وقال - في كتاب آخر - : « جميع الأمم المكذِّبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم وهلاكهم حبُّ الدنيا .. فكل خطيئة في العالم أصلها حبُّ الدنيا ، فحب الدنيا والرياسة هو الذي عمر النار بأهلها ، والزهد في الدنيا والرياسة هو الذي عمر الجنة بأهلها .. والدنيا تسحر العقول أعظم سحر .. » [14] . كم هو موجع حقاً حال طائفة منا - معشرَ الدعاة وطلابَ العلم - إذ كانوا في ريعان شبابهم على حظ كبير من الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة ، والبذل والحرص على أداء القربات وأنواع التضحيات ، ثم لما وهن العظم ، واشتعل الرأس شيباً ، ودنا الرحيل ؛ إذا هم ينكبُّون على حطام الدنيا الزائل ، ويتثاقلون عن تلك القربات ، ويغالبهم العجز والكسل ! « واعجباً ! كلما صعد العمر نزلتَ، وكلما جدَّ الموت هزلتَ ! أتُراك ممن ختم بفتنة ، وقُضيت عليه عند آخر عمره المحنة ؟ كنت في زمن الشباب أصلح منك في زمن أيام المشيب » [15] . واحسرتاه ! تقضَّى العمر وانصرمت ساعاته بين ذلّ العجز والكسلِ والقوم قد أخذوا درْب النجاة وقد ساروا إلى المطلب الأعلى على مَهَلِ إن على محاضن الصحوة الإسلامية أن يتعاهدوا أفرادهم بالتربية الإيمانية النبوية ، ومن ذلك : أن نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان يربِّي صحابته الكرام - رضي الله عنهم - على العزوف عن الدنيا والاشتغال بيوم المعاد ؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبيّ فقال : « كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل » [16] قال ابن رجب : « وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا ، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطناً ومسكناً فيطمئن فيها ، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يُهيِّئ جهازه للرحيل ، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم .. » [17] . وعن عديِّ بن حاتم - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « اتقوا النار ، قال : وأشاح ، ثم قال : اتقوا النار ، ثم أعرض وأشاح ثلاثاً حتى ظننا أنه ينظر إليها ، ثم قال : اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة ؛ فمن لم يجد فبكلمة طيبة » [18] . ألا فليسعنا ما وسع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبه رضوان الله عليهم ؛ فإن خير الهدي هدي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - . ________________________ (*) أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض . (1) في ظلال القرآن : 5/2759 ؛ باختصار . (2) هِجِّيراه : دأبه وديدنه وعادته . (3) الإسلام والحضارة الغربية : 192 - 193 ؛ باختصار . (4) أخرجه الترمذي . (5) أخرجه البخاري . (6) الفتح : 11/321 . (7) مجموع الفتاوى ، لابن تيمية : 16/72 . (8) سير أعلام النبلاء : 4/579 . (9) صيد الخاطر : 45 ؛ باختصار . (10) صيد الخاطر : 342 . (11) انظر : تفسير السعدي : 1/29 ، 360 . (12) انظر : تلبيس إبليس ، لابن الجوزي ، ص 134- 135 . (13) الفوائد ، ص 88 ؛ باختصار . (14) عدة الصابرين ، ص 185 ؛ باختصار . (15) صيد الخاطر ، لابن الجوزي ، ص 183 . (16) أخرجه البخاري . (17) جامع العلوم والحكم : 2/377 . (18) أخرجه البخاري و مسلم . | |||||
بحث هذه المدونة الإلكترونية
إظهار الرسائل ذات التسميات دين الحق. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات دين الحق. إظهار كافة الرسائل
الثلاثاء، 12 أبريل 2011
يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا - د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
الجمعة، 7 يناير 2011
هل تواجه الصين مصير دبي؟ وهل ثمة علاقة بين تشييد الأبراج العالية والانهيارات الاقتصادية؟
هل تواجه الصين مصير دبي؟ وهل ثمة علاقة بين تشييد الأبراج العالية والانهيارات الاقتصادية؟
التاريخ: 1/2/1432 الموافق 07-01-2011 | الزيارات: 156
المختصر / عندما تم افتتاح برج خليفة في إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة في يناير/كانون الثاني الماضي بوصفة أطول برج في العالم، اندلعت أزمة الديون في الإمارة الخليجية بعد أسابيع. فهل تواجه الصين المصير نفسه؟
وبرج خليفة أصبح فيما بعد آخر شاهد ودليل على العلاقة بين طفرات البناء والأزمات الاقتصادية، وهو ما كان "عممه" المحلل الاقتصادي أندرو لورانس في العام 1999 عندما تطرق لأول مرة إلى مفهوم "مؤشر ناطحة السحاب."
في هذا المؤشر بيّن لورانس "المصادفة" التي تأتي مع الانتهاء من بناء أطول المباني في العالم والمتمثلة في الانهيار الاقتصادي.
وكان هذا الأمر قد بدأ مع أعلى بناء في الولايات المتحدة في العام 1873، حيث ظهرت بناية "ضخمة" آنذاك بلغ ارتفاعها 8 أدوار، وهو بناء "إكويتابل لايف"، وترافق مع الأزمة الاقتصادية في ذلك الوقت، وظل هذا الأمر سائداً مع كل برج مرتفع أو ناطحة سحاب في العالم، وصولاً إلى برج "بتروناس" في ماليزيا، الذي ترافق افتتاحه مع الأزمة الاقتصادية في آسيا عام 1997.
وكتب لورانس في تقرير نشر الثلاثاء متسائلاً: "هل تشق الصين طريقها إلى 'فقاعتها'؟"
وأضاف قائلاً: "ربما تكون هذه المصادفة مع بناء برجل بابل، غير أنه خلال السنوات المائة والأربعين الماضية، تبين وكأن هناك علاقة 'غير صحية' بين بناء أعلى برج في العالم والأزمات المالية: في نيويورك عام 1930، وشيكاغو عام 1974، وكوالالمبور عام 1997، ودبي عام 2010."
وتابع لورانس يقول: "إنه خلال السنوات الست المقبلة، سوف تكمل الصين بناء 40 في المائة من كل ناطحات السحاب الجديدة قيد البناء حالياً، لتزيد نسبتها في المدن الصينية على 50 في المائة."
ولاحظ لورانس أن ناطحات السحاب الأعلى في العالم، لا تُشيّد لوحدها، كما تكشف الطفرة الصينية، ومن قبلها الطفرة في دبي، مشيراً إلى أن بناء ناطحات السحب يحدث على شكل حلقات.
وتابع موضحاً: "تبدأ عملية بناء ناطحات السحاب مع شركات المقاولات التي تتمتع بخطوط تمويل سهلة لمشاريعها.. وفي وقت تكون فيه المصارف قد اتخذت قرارات بزيادة مستوى المخاطرة في عمليات الاستثمار والتمويل.. إضافة إلى الرغبة في تشييد بناء صرحي في المدينة ليكون بمثابة الرمز."
ومع انتهاء البناء الصرحي والرمزي العملاق، يكون الاقتصاد قد بدأ يأخذ منعطفاً نزولياً.
وللعلم، ليس هناك حالياً أي مخطط معلن في الصين أو في أي مكان آخر بشأن بناء يتفوق في الارتفاع على برج خليفة في دبي، الذي يبلغ ارتفاعه 823 متراً فوق سطح الأرض.
ويبدو أن الشركة التي شيدت البرج تنوي أن يبقى منفرداً في صدارة أعلى المباني في العالم لبعض الوقت.
يشار إلى أن أعلى برج سابق لبرج خليفة هو برج تايبة 101، في تايوان، والذي يبلغ ارتفاعه 500 متر.
المصدر : سي إن إن بالعربية
سيلجاندر والقرآن ... شهادة من العيار الثقيل
سيلجاندر والقرآن ...
شهادة من العيار الثقيل
صالح النعامي
التاريخ: 24/12/1431 الموافق 01-12-2010
المختصر/ اتخذ الكثير من رجال الدين اليهودي والمسيحي الآيات القرآنية التي تنسب إلى أنبياء الله جميعاً وتحديداً إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام قولهم أنهم مسلمون، منطلقاً لتسويغ التكذيب بالقرآن العظيم،
على اعتبار أنه لا يوجد ثمة شك لدى اليهود والنصارى بأن موسى كان يهودياً لأنه جاء باليهودية،
وعيسى نصرانياً لأنه جاء بالمسيحية.
من هنا فإن هناك أهمية هائلة للكتاب الذي أصدره مؤخراً عضو الكونغرس الأمريكي مارك سيلجاندر بعنوان " سوء فهم قاتل "،
والذي خصص بشكل أساسي للإجابة على السؤال التالي
" هل كان عيسى مسلماً أم مسيحياً ؟ ".
في برنامج " من واشنطن "، الذي بثته قناة الجزيرة الفضائية الذي استضاف سيلجاندر،
تعرض السيناتور الأمريكي لما أسفر عنه بحثه الضخم الذي استغرق اعداده سنوات عديدة،
حيث قال أنه درس معمقاً الإنجيل باللغة الأرامية وهي اللغة التي كان يتحدثها المسيح عليه السلام ونزل بها الإنجيل،
فوجد أن عيسى كان يعرف نفسه والأنبياء من قبله على أنهم " مسلمون "،
ليس هذا فحسب،
بل أن الإنجيل بهذه اللغة لم يأت على ذكر المسيحية تماماً.
ويؤكد سيلجاندر أن أخطاءً كبيرة وقعت عندما ترجم الإنجيل للغات الأوروبية.
ويؤكد سيلجاندر أن موقف العالم المسيحي الحالي من الإسلام ناجم بشكل أساسي من الجهل بحقيقة القرآن.
ولكي يدلل على ذلك ينوه سيلجاندر إلى أنه جمع 200 من كبار المبشرين المسيحيين في إحدى الكنائس بولاية فيرجينيا،
وقال لهم أنه سيتلوا على مسامعهم ما جاء في الكتاب المقدس بشأن المسيح،
دون أن يبلغهم من أي كتاب مقدس سيتلو،
فاعتقدوا أنه سيتلو عليهم من العهد الجديد ( الإنجيل )،
لكنه تلا عليهم ترجمة الآيات ( 45-50) من سورة آل عمران، التي جاء فيها
" إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين. قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون............."، إلى آخر الآيات .
وينوه سيلجاندر إلى أنه عندما كان يتلو عليهم ترجمة هذه الآيات كانت مظاهر الإرتياح والسعادة بادية على وجوه المبشرين الذين كانوا يسبحون الرب،
لكنه سرعان ما صعقهم،
عندما قال لهم" هل تدرون أن الآيات التي تلوتها كانت من القرآن وليست من الإنجيل "،
مشيراً إلى أن صمتاً أطبق على المكان وشعر المبشرون بالحرج الشديد ولم يستطيعوا الرد ولو بكلمة واحدة.
أن أهمية هذا البحث العلمي الضخم تكمن أيضاً في هوية مؤلفه،
فسيلجاندر كان نائباً عن الحزب الجمهوري،
وكان أحد منظري المحافظين الجدد،
وكان منافساً لنيوث جينجريتش الذي كان زعيماً للحزب الجمهوري
والذي من المتوقع أن يتنافس على ترشيح الحزب للرئاسة في الانتخابات الرئاسية القادمة.
وكما يقول سيلجاندر عن نفسه أنه كان يشعر بعداء شديد للإسلام والقرآن
لدرجة أنه أرسل في العام 1998 رسالة احتجاج شديدة اللهجة للبيت الأبيض لأنه سمح بتلاوة آيات القران الكريم
في احتفال إفطار نظمه الرئيس الأسبق بيل كلنتون لعدد من ممثلي الجالية المسلمة في واشنطن.
ويهاجم سيلجاندر في كتابه بشدة إزدواجية المعايير لدى الغرب ومنظريه وتحديداً مستشرقيه الذين يهاجمون الإسلام بسبب الآيات التي تتحدث عن الجهاد،
مشيراً إلى أن كلمة " الجهاد " وردت في النسخة الأصلية للإنجيل باللغة الأرامية.
وينوه إلى أن تركيز الغرب على ما يسميه بالآيات التي تحث على " العنف "، وتحديداً التي وردت في سورة " التوبة " تدلل على النفاق الغربي،
مشيراً إلى أنه منظري الغرب يتجاهلون ما جاء في الإنجيل حيث ورد على لسان المسيح
" إذهب إلى قرية كنعان اقتل الرجال والنساء "،
وما جاء في سفر " صموئيل " من العهد القديم ( التوراة )، حيث جاء
" اقتل قوم علقيم، إقتل الرجال والنساء والأطفال، لاتترك بقراً أو حميراً ".
تعرض السيناتور الأمريكي لما أسفر عنه بحثه الضخم الذي استغرق اعداده سنوات عديدة،
حيث قال أنه درس معمقاً الإنجيل باللغة الأرامية وهي اللغة التي كان يتحدثها المسيح عليه السلام ونزل بها الإنجيل،
فوجد أن عيسى كان يعرف نفسه والأنبياء من قبله على أنهم " مسلمون "،
ليس هذا فحسب،
بل أن الإنجيل بهذه اللغة لم يأت على ذكر المسيحية تماماً.
ويؤكد سيلجاندر أن أخطاءً كبيرة وقعت عندما ترجم الإنجيل للغات الأوروبية.
ويؤكد سيلجاندر أن موقف العالم المسيحي الحالي من الإسلام ناجم بشكل أساسي من الجهل بحقيقة القرآن.
ولكي يدلل على ذلك ينوه سيلجاندر إلى أنه جمع 200 من كبار المبشرين المسيحيين في إحدى الكنائس بولاية فيرجينيا،
وقال لهم أنه سيتلوا على مسامعهم ما جاء في الكتاب المقدس بشأن المسيح،
دون أن يبلغهم من أي كتاب مقدس سيتلو،
فاعتقدوا أنه سيتلو عليهم من العهد الجديد ( الإنجيل )،
لكنه تلا عليهم ترجمة الآيات ( 45-50) من سورة آل عمران، التي جاء فيها
" إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين. قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون............."، إلى آخر الآيات .
وينوه سيلجاندر إلى أنه عندما كان يتلو عليهم ترجمة هذه الآيات كانت مظاهر الإرتياح والسعادة بادية على وجوه المبشرين الذين كانوا يسبحون الرب،
لكنه سرعان ما صعقهم،
عندما قال لهم" هل تدرون أن الآيات التي تلوتها كانت من القرآن وليست من الإنجيل "،
مشيراً إلى أن صمتاً أطبق على المكان وشعر المبشرون بالحرج الشديد ولم يستطيعوا الرد ولو بكلمة واحدة.
أن أهمية هذا البحث العلمي الضخم تكمن أيضاً في هوية مؤلفه،
فسيلجاندر كان نائباً عن الحزب الجمهوري،
وكان أحد منظري المحافظين الجدد،
وكان منافساً لنيوث جينجريتش الذي كان زعيماً للحزب الجمهوري
والذي من المتوقع أن يتنافس على ترشيح الحزب للرئاسة في الانتخابات الرئاسية القادمة.
وكما يقول سيلجاندر عن نفسه أنه كان يشعر بعداء شديد للإسلام والقرآن
لدرجة أنه أرسل في العام 1998 رسالة احتجاج شديدة اللهجة للبيت الأبيض لأنه سمح بتلاوة آيات القران الكريم
في احتفال إفطار نظمه الرئيس الأسبق بيل كلنتون لعدد من ممثلي الجالية المسلمة في واشنطن.
ويهاجم سيلجاندر في كتابه بشدة إزدواجية المعايير لدى الغرب ومنظريه وتحديداً مستشرقيه الذين يهاجمون الإسلام بسبب الآيات التي تتحدث عن الجهاد،
مشيراً إلى أن كلمة " الجهاد " وردت في النسخة الأصلية للإنجيل باللغة الأرامية.
وينوه إلى أن تركيز الغرب على ما يسميه بالآيات التي تحث على " العنف "، وتحديداً التي وردت في سورة " التوبة " تدلل على النفاق الغربي،
مشيراً إلى أنه منظري الغرب يتجاهلون ما جاء في الإنجيل حيث ورد على لسان المسيح
" إذهب إلى قرية كنعان اقتل الرجال والنساء "،
وما جاء في سفر " صموئيل " من العهد القديم ( التوراة )، حيث جاء
" اقتل قوم علقيم، إقتل الرجال والنساء والأطفال، لاتترك بقراً أو حميراً ".
المصدر: وطن
في النظام السياسي.. الشورى أم الوصية والعصمة!!
في النظام السياسي.. الشورى أم الوصية والعصمة!!
د. محمد العبدة | 15/5/1429 هـ
في سلسلة الحديث عن (الإحياء السني) ما زلنا نؤكد على أن عقائد الباطنية وما تفرع عنها من فرق لا تصلح لإقامة مدنية أو حضارة، ليس لفساد الاعتقاد وما يداخله من أنواع الشرك والوثنية والأوهام وحسب بل أيضاً لنفسية التدمير التي يمارسونها إذا تحكموا في رقاب أهل السنة، وتلك السوداوية والكربلائية التي يحملونها دائماً.
وفي هذا المقال نريد توضيح قضية هامة يفترق فيها أهل السنة عن هؤلاء وهي قضية الإمامة الكبرى أو الخلافة والرئاسة العامة، هل تكون بالاختيار والشورى من ممثلي الأمة (أهل الحل والعقد) أم هي وصية مخترعة ونص إلهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتسمية الوصي من بعده؟
ولا يكتفى بهذا، بل لا بد أن يكون هذا الوصي معصوماً عن الأخطاء والذنوب هو وذريته حتى الإمام الثاني عشر.
القرآن واضح، الناس سواء، وأكرمهم عند الله أتقاهم، والأحاديث واضحة: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" و"إن بني فلان ليسوا لي بأولياء" يشير صلى الله عليه وسلم إلى بعض أقربائه، وحديث "الأئمة في قريش" وليس في بطن واحد من بطون قريش. "وسنته في عباده أن لا يجزي أحد إلا بكسبه وعمله، وهذه قضية من أصول الدين العامة التي جاء بها الأنبياء (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [النجم:36-39]، وإذا لم ينتفع بالأنبياء ذرياتهم الذين لم يقتدوا بهم، فكيف ينتفع بهم أولئك البعداء، وهل يشبع الولد إذا أكل الوالد دونه..."(1).
إن وجود طبقة دينية خاصة – كما في النصرانية – لا يتفق ومبادئ الإسلام، والقرابة لا تغني إذا لم تكن على الصراط المستقيم، والأمة تجتمع على أساس الدين وليس على أساس قبلي أو أسروي، والأحاديث التي تذكر (العترة) إنما هي توصية من الرسول صلى الله عليه وسلم بالإحسان إليهم، وكأنه صلى الله عليه وسلم يخشى أن يساء إليهم بدون حق، ولا تعني أبداً الحكم وولاية الأمر، وكان خاتمة ما وصى الله تعالى به هذه الأمة على لسان رسله الأمر باتباع صراطه المستقيم، والبعد عن الاختلاف والتفرق الذي يجعل المسلمين أحزاباً وشيعاً.
وامتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن الوصية بالخلافة إنما قصد به الإشارة الضمنية إلى واجب الأمة في وضع النظم السياسية بطريق الشورى، وإن اختيار المسلمين لأبي بكر رضي الله عنه هو من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس كالملوك الذين يؤثرون أقرباءهم، وقد أجمع الصحابة على اختيار أبي بكر(2)، وخلافة عمر رضي الله عنه كانت أيضاً بإجماع الصحابة وليست تولية من أبي بكر وإنما كانت ترشيحاً منه لعمر ووافق الصحابة كلهم على هذا الترشيح، ولو لم يرضوا به لما كان عمر خليفة، وكذلك كان اختيار عثمان وعلي رضي الله عنهم.
إن أهل السنة لا يرون طريقة للوصول إلى منصب الإمامة الكبرى إلا طريقة واحدة وهي الاختيار، وإذا تخلف التطبيق العملي بعد الخلفاء الراشدين، ولكن لم يتخل علماء أهل السنة – من الناحية النظرية – عن مبدأ الاختيار والأخطاء والانحرافات لا تلغي المبدأ الأساسي، وبقيت الشورى بين العلماء في المذاهب الفقهية والاجتهادات ويرى أهل السنة أن منصب الخلافة هو عقد بين الأمة وبين المتولي لهذا المنصب، وأن الأخير وكيل للأمة في تنفيذ شرع الله، يقول الباقلاني عن هذا المنصب: "وهو في جميع ما يتولاه وكيل للأمة ونائب عنها"، ويقول الإمام الجويني: "والإمام في التزام أحكام الإسلام كواحد من الأنام، ولكن مستناب في تنفيذ الأحكام"(3).
وهذا العقد هو فرض كفائي يمكن أن يقوم به بعض الأمة ولذلك لا بد من (أهل الحل والعقد) فالشورى هي الوسيلة الوحيدة كما قرره اجتماع السقيفة، وقرر أيضاً حق الأمة في تقويم الحاكم جاء في خطبة أبي بكر رضي الله عنه (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم).
وبما أن الأمة الإسلامية شاهدة على الناس، أي أنها تحمل مسؤولية تبليغ الدعوة، فلا بد من فتح باب الاجتهاد بالقدر اللازم لمستحدثات كل عصر، وهذا لا بد فيه من الشورى التي هي حوار يجري تحت مظلة المبادئ المستمدة من العقيدة والشريعة فالقرار هنا يكتسب شرعيته بأنه أقرب للعدل، وأنه تحت سقف الشريعة وليس من (إرادة الشعب) كما في النظم الديمقراطية، فالشورى لا تجوز فيما ورد فيه نص قاطع.
وأهل السنة وخاصة في الكتابات المعاصرة يفرقون بين الشورى والاستشارة، ويرون أن الشورى – بشروطها – ملزمة للحاكم؛ لأنها صادرة عن مجلس فيه علماء وفقهاء وخبراء في السياسة والاقتصاد وشؤون الناس، أما الاستشارة فغير ملزمة وهي تقع يومياً ويمارسها كل الرؤساء العقلاء وفي كل البدان، وقد استشار الرسول صلى الله عليه وسلم في أمور كثيرة أفراداً معينين حسب الحادثة كاستشارته لزعيمي المدينة في مسألة إعطاء ثلث ثمار المدينة للأعراب لينفضوا عن حصار الخندق، واستشار بعض الصحابة في حادثة الإفك، وقبل مشورة أم سلمة رضي الله عنها بعد صلح الحديبية، أما الشورى فهي الشؤون العامة التي تهم مصلحة المسلمين كلهم.
وقد مورست هذه الشورى زمن الراشدين فلم يستطع عمر رضي الله عنه إنفاذ رأيه في عدم توزيع أرض السواد في العراق على الفاتحين إلا بعد أن وافقه على رأيه أكثر الصحابة، وإن تعيينه لستة من الصحابة ليختاروا واحداً منهم خليفة دليل على أن رأي الأكثرية هو الذي يقرر المطلوب.
إن الصفات المرعية التي لا بد أن تتوفر في الإمام أو الصفات المطلوبة في أهل الشورى، فهذا كله موجود في كتب السياسات الشرعية، وقد تنقص أو تزيد حسب كل عصر، وأهمها بالنسبة إلى الإمامة الكبرى: العلم والكفاية والتقوى، يقول الإمام الجويني: "فأما التقوى والورع فلا بد منهما، إذ لا يوثق بفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يولى أمور المسلمين كافة، والأب الفاسق – على فرط حدبه وإشفاقه على ولده – لا يعتمد في مال ولده، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق".
وأما عدد أهل الشورى وكيفية اختيارهم فهذا راجع إلى الاجتهاد ولظروف كل عصر وكل مكان. "فالنظام يختلف باختلاف أحوال الأمة في كثرتها وقلتها وشؤونها الاجتماعية فلا يمكن أن تكون له أحكام معينة توافق جميع الأحوال في كل زمان ومكان، ولو وضع لها أحكاماً مؤقتة لخشي أن يتخذ الناس ما وضعه ديناً متبعاً في كل حال"(4).
ويقول الشيخ صبحي الصالح: "لم يرد أن يُدخل على الناس تصورات لا محصل لها في الواقع، وهذه مزية في نظم الحكم، كمثل النحل تبني من إفرازاتها خلاياها"(5).
هذه الشورى المستمدة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة مما يساعد على تطور الإنسان ورقيه في حياته الاجتماعية والسياسية لأنه يعتمد على الاجتهاد والقياس في التفاصيل فيصبح في مقدورهم البحث واكتساب المعرفة والعلم.
اخترعت الشيعة قصة (الوصي) وأن الله سبحانه وتعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يوصي بعده لعلي بن أبي طالب؛ لأنهم زعموا أن اللطف واجب على الله (هذه من مقولات المعتزلة وأخذها عنهم الشيعة) وبما أن الإمامة لطف فإقامتها واجب ومنصب الإمامة عندهم هو منصب إلهي كالنبوة، فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء للنبوة والرسالة، فكذلك يختار من يشاء للإمامة ويأمر النبي بالنص عليه وهذا الإمام معصوم لا يفعل شيئاً إلا بأمر الله، والنبي قد يخطئ ويسدده جبريل ولكن الإمام لا يخطئ لأن جبريل لا ينزل عليه فيسدده، والإمامة من أسس الإيمان، فمن لم يؤمن بالأئمة لا يصح إيمانه (ولهذا يكفرون غيرهم)(6).
وإذا كان الإمام لا ينزل عليه الوحي عن طريق جبريل، ولكنه كما يزعمون مُعلّم من الله بعلم لا يعلمه إلا الله(7)، وهذه غنوصية فارسية وهرطقة وزندقة، وهو قريب من قول النصارى أن الرسل الذين كانوا حول المسيح عليه السلام معصومون مثل إبراهيم وموسى(8).
يقول المستشرق (دوزي): "إن الشيعة فرقة فارسية في جوهرها، فالفارسي لم يكن يستطيع أن يتصور خليفة بالانتخاب، فهذه فكرة غير معهودة له، فانتقل البيت النبوي (آل علي) محل بيت (آل ساسان)".
وكيف تكون الإمامة لطف مع ما نشاهده من اختفاء أثر الإمام، فلم يقدم للناس نفعاً في كل هذه العصور، فلم يقم دولة ولا جاهد في سبيل الله وفتح البلدان كما فعل الخلفاء في الدول الإسلامية، ونحن نعلم بالضرورة أن علياً رضي الله عنه والحسن والحسين وأولادهم ما كانوا يدعون العصمة والتنقي من الذنوب، فإن ادعوا هذا مثلاً، فهذا ذنب يجب أن يستغفروا الله منه ثم كيف تكون العصمة والشيعة يجيزون التقية (الكذب) ويخفون ما يعتقدون؟!
الإمامة ليست من قواعد العقائد كما يدعي الشيعة بل هي ولاية عامة، والإيمان بالله وبرسوله في كل زمان ومكان أهم من مسألة الإمامة، وهذا الادعاء للعصمة والعلم المباشر من الله، الذي هو فوق علم الملائكة والأنبياء أدى إلى ظهور فرق تفرعت عن الشيعة تدعو إلى الإباحية المطلقة، وفسروا الآية (وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا) [البقرة: من الآية35] بأن الله تعالى جعل للإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق – حسب زعمهم – جنة آدم وأباحوا جميع ما خلق الله، وأبطلوا كل تحريم، ولذلك ورد عن العلاء بن الحضرمي مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوي العبدي أنه قال له: "يا منذر، إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرن عن الآخرة، إن هذه المجوسية شر دين، ليس فيها تكرم العرب ولا علم أهل الكتاب".
وإذا حاول الشيعة في العصر الحديث الالتفاف حول الوصية والنص باختراع (ولاية الفقيه) ونائب الإمام الغائب إلا أن نائب الإمام أعطي من الصلاحيات الخاصة به ما لا يقره عقل ولا شرع، وإن خضوع شعب لفقيه واحد هو نوع من إضفاء العصمة، ولا نتكلم هنا عن فساد العقائد ولا عن الشعوبية الصفوية.
إن القواعد العامة التي ترسخت زمن النبوة والخلافة الراشدة هي أن الشورى هي الأسلوب الصحيح للحكم، وأن الأخوة الدينية هي أساس النظام الاجتماعي، والحاكم المسلم مكلف بحماية الدين ورعاية أمور الدنيا لمصلحة المسلمين، والأمة هي التجمع المبني على العقيدة وليس على أساس آخر اقتصادي أو جغرافي..
والحاكم ليس مشرعاً، بل هو منفذ، والعلماء يجتهدون بما يرونه مناسباً، وليس لأحد من البشر أن يخضع له الآخرون خضوعاً مطلقاً، فهذه الصفة هي لله سبحانه وتعالى.
_________________
(1) رشيد رضا: تفسير المنار 1/479.
(2) والعجيب أن بعض كتاب الفرق في القديم يقولون: إن أول اختلاف في الأمة وقع عند اجتماع المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، والصحيح أنه كان تشاوراً في أمر عظيم وهو الخلافة ثم اتفقوا واجتمعوا على أبي بكر فكيف يكون خلافاً؟!
(3) الغياثي /276.
(4) رشيد رضا: الخلافة /40.
(5) النظم الإسلامية /253.
(6) انظر: مصطفى حلمي: نظام الخلافة، وهو ينقل عن الكليني ومحمد حسين آل كاشف الغطاء.
(7) إبراهيم الغازي: الدول والنظم السياسية /244.
(8) ابن تيمية: الجواب الصحيح 1/370.
المصدر: موقع المسلم
قصة البشرية بين القرآن والأساطير والفن!!
قصة البشرية بين القرآن والأساطير والفن!!
05-8-2009
بقلم أسامة شحادة
"...الباطل لا يظهر إلا بعد معرفة الحق، لأن الحق ينمو بالعلم والمعرفة، والباطل يزدهر في أوساط الجهل، فحين ضعفت القوة الإسلامية لضعف العلم وانتشار المعاصى، زالت بالاستعمار، عندها استفحل الجهل حتى عم الشرك وطم..."
منذ فترة وأنا أود الحديث عن قصة البشرية كما يعرضها القرآن الكريم، ذلك أن هذا الموضوع من القضايا الجوهرية التي شغلت وجدان الناس على مر العصور، ولأننا اليوم في عصر القرية الكونية، وعصر الصورة ولأننا نحن معاشر المسلمين اليوم نعيش مرحلة الإستلاب والهزيمة، فقد أصبح هناك العديد من شبابنا وشاباتنا يتلقي معلوماته وأفكاره من مصادر غير إسلامية حتى في مسائل تتعلق بالعقيدة الإسلامية. ومن أحدث الأمثلة على تصدي المصادر غير الشرعية لكثير من المسائل العقدية لدى أجيالنا الحاضرة، ما تقدمه اليوم بعض الروايات والأفلام التي تتعرض لقضايا فكرية وفلسفية، مثل روايات دان براون "ملائكة وشياطين" و" شيفرة ديفنشي" التي حولت إلى أفلام سينمائية، أو رواية "عزازيل" ليوسف زيدان، والفائزة بجائزة البوكر، وبعيداً عمّا احتوته من مناقشات للعقيدة المسيحية والقول بتأثرها بالديانات الوثنية السابقة، أو موقفها السلبي من المرأة واحتقارها، فإن ما أود التركيز عليه هو ما ورد في تضاعيف هذه الروايات والأفلام من إشارات إلى بداية الخلق والإنسان.
وقبل الدخول في صلب الموضوع لابد من التنبيه على مسألة لطالما تحدث فيها الكتاب والمفكرون، وهي أن صدام المسيحية والكنيسة أو غيرها من الديانات مع العلم والواقع حدث لأسباب شتى منها التحريف ومنها الوضع البشري، الأمر الذي لا ينبغى سحبه على الإسلام، فليس في القرآن أو السنة الصحيحة أو الشريعة شيء يصادم ويتعارض مع العلم الثابت والواقع اليقيني، ولكن بسبب ضعف الحالة الإسلامية أصبح من السهل تقبل كثير من أجيالنا ذات الخواء المعرفي لهذه الأغلوطة.
إن من القضايا التي تحتاج إلى توضيح كبير اليوم هي علاقة الحقيقة بالأسطورة، فالسائد لدى العلمانيين اليوم هو أولية الجهل والخرافة والشرك على العلم والمعرفة والتوحيد، وهذا بسبب اعتقادهم بالأصل الحيوانى للإنسان، بحسب نظرية دارون.
لكن الموقف الإسلامي النابع من الوحي الإلهي يرفض هذا التصور الحيواني للإنسان، ويقدم التصور الحقيقي والراقي لخلق البشر، الذي يرتكز على الأسس الثلاثة التالية:
- الإنسان خلق مكرماً بيدي الخالق عز وجل " لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ " (البقرة 75 ).
- وأنه خلق في الجنة " كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ " ( الأعراف 27 ).
- وأن الإنسان الأول كان نبياً مؤمناً عالماً مسلماً "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ "(طه115)، " وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا " ( البقرة 31 )، "إن الدين عند الله الإسلام " (آل عمران 19).
وهذه الأسس الثلاثة توضح كثيراً من المشكلات التي لا يزال غير المؤمنين يتخبطون بها، فمن المتفق عليه بين علماء التاريخ أنه لم توجد أمة دون دين، وكما أنهم يقرون بوجود كثير من التشابه بين المعتقدات القديمة والديانات السماوية الأخيرة، لكنهم لتفسير هذه الحقائق جعلوا الأمور تسير على رؤوسها بدل أقدامها، وهذه بعض الأمثلة: - فمثلا فسروا وجود الأديان منذ القدم بانتشار الجهل والخوف، لذلك عبد الناس الظواهر الطبيعية ومن ثم الأصنام، بينما نجد أن القرآن يقرر أن التوحيد هو الأصل في الناس لأن أباهم آدم عليه السلام كان مؤمناً، بل كما في الحديث الصحيح " نبي مكلم " (رواه أحمد).
ففي المعتقد الإسلامي أن التوحيد والإيمان هو الأصل في البشرية ثم طرأ الشرك عليهما، قال تعالى: " كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ " (البقرة 213 ). قال ابن عباس في تفسيرها:" كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق. فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين". وروى البخاري في باب " ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق " عن ابن عباس قال:" هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنوسي العلم عُبدت"، فهذه هي بداية ظهور الشرك وعبادة الأصنام في تاريخ البشرية، ولذلك كان الله عز وجل يرسل الأنبياء والرسل للأمم كي يدلّوهم على طريق السعادة في الدنيا والآخرة بتوحيد الله عز وجل، قال تعالى: " وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّة رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت" ( النحل36 ).
فوحدة الأصل البشري وانتسابه لآدم عليه السلام ووحدة الدين وأنه الإسلام، تفسر لنا وجود التشابه عبر التاريخ بين كل السلالات البشرية جسدياً، وتفسر لنا سبب تكرار وتشابه كثير من العقائد عند الأقوام المختلفي الديانات اليوم لأنها بقايا دين الإسلام الذي كانوا يشتركون فيه، ولكن عوامل الجهل والتباعد والنسيان والاختراع عملت على تشويه نقائه وتكامله.
وهذا يفسر للباحثين حقيقة احتفاظ الحضارات القديمة بقصص العديد من الأنبياء وما جرى معهم، لأنها حقائق عاشتها هذه الحضارات والأمم البائدة ولأنها أيضاً بقايا سليمة من المعتقدات التي عاصرتها.
- إن زعم العلمانيين أن الأديان السماوية تطوير للأساطير هو قلب للحقائق، حتى قالوا أن أخناتون هو من اخترع التوحيد !!! لأن الأساطير هي في الحقيقة تحريف للدين الذي هو الإسلام، فعبر التاريخ كان توحيد الله عز وجل هو الأصل والأساس ولكن الإنسان الذي من طبعه الجهل والعجلة وحب الهوى كان ينحرف عن الصراط المستقيم للتوحيد ليقع في بحر الشهوات والشبهات برعاية الشيطان الرجيم، فتولد عن ذلك الأساطير والعقائد المحرفة والشهوات الدنيئة. - لليوم يعجز الباحثون في التاريخ والإنثروبولوجيا عن تفسير وجود المصنوعات الدقيقة أو الضخمة من قبل الحضارات القديمة!! كما لا يزال العلم لليوم يقف حائراً حول انجازات الحضارات السابقة من التحنيط أو حدائق بابل أو بناء الأهرامات وغيرها.
لكن إذا تذكرنا أن الإنسان الأول كان قد زوده الله عز وجل بالعلم بأسماء الأشياء، وأنه عاش في الجنة التي "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر".
إن أجدادنا من البشر كانوا يتوارثون أخبار الجنة من أبيهم آدم وأمهم حواء، ولذلك كانوا يحاولون تقليد نعيم الجنة، وهذا فقط ما يفسر مصدر الخيال لتشييد هذه المباني الضخمة مع بساطة الإمكانيات، والقدرة على اختراع أدوات نافعة ودقيقة مع عدم توفر الآلات الحديثة، وإن زيارة لمتاحف الحضارات القديمة أو قراءة أخبارها تذهلك بما تم إنتاجه من آلاف السنين.
إن الانتباه لما تتلقفه أجيالنا المسلمة عبر هذه الوسائط الثقافية من معتقدات وأفكار تصطدم بالإسلام والعلم والواقع قضية ملحة، ذلك أنها كالأسلحة الحديثة تقتل دون أثر وهذا مكمن خطورتها!!
* بدائية الإنسان الأول وهم لا حقيقة!!
بدائية الإنسان الأول وهم شائع اختلقته الأيديولوجية الداروينية التطورية، ونشرته وسائل الإعلام، وخاصة عبر أفلام الكرتون، التي صورت الإنسان الأول شبه عارٍ إلا من قطعة من جلد حيوان وصورته لا يجيد الكلام إلا بالإشارة، ويحتقر المرأة من خلال جرها على الأرض من شعرها، وكل هذه الصور هي خيالات وهمية ليس لها أي مستند سوى البحث عن الغرابة والطرافة تماشياً مع الفكرة الحيوانية للإنسان التي نادى بها دارون ومؤيدوه.
وعلى وهم بدائية الإنسان الأول شيدت النظريات المتعارضة والمتناحرة لعلم الاجتماع الديني التي قررت أن الدين منتج طارئ في البشرية وتطور عبر محطات السحر ومن ثم عبادة الطبيعة والأرواح وبعدها الأصنام والطوطم وبعدها اخترع التوحيد، لاعتقادهم أن افنسان الأول كان بدائياً لا يمكن أن يستوعب فكرة وجود إله متعالي مطلق القدرة والمعرفة!! كما بين ذلك الدكتور علي سامي النشار في كتابه "نشأة الدين"، حيث عرض لنظريات علم الاجتماع الديني وأنها لم تقم على دراسات علمية دقيقة ولا مستوعبة وأن توالى الاكتشافات كان يبطل كثيراً من فرضياتها، سوى نظرية "الأب شمت" التي أثبتت أن الإيمان بإله واحد في السماء كان هو السابق عند كل التجمعات الإنسانية عبر التاريخ، ونظرية "شمت" التي تثبت سبق عقيدة التوحيد وأوليتها قد تجاهلها بالكلية فراس السواح في كتابه " دين الإنسان" !! ويلاحظ على كتاب النشار الاقتصار على كلام الغربيين فقط وإقراره لفكرة بدائية الإنسان رغم معارضتها لصريح القرآن!! لكن نحن المسلمين نعتقد أن الجنس الإنساني هو جنس مكرم لقوله تعالى: "ولقد كرمنا بنى آدم" (الإسراء 70) ومن مظاهر هذا التكريم أن الله عز وجل خلق الإنسان بيديه سبحانه وتعالى "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" (ص 75)، وأنه خلق الإنسان "في أحسن تقويم" (التين 4)، وأيضاً الله عز وجل هو "الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة" (الملك 23)، وعلمه أسماء الأشياء، وتشمل القدرة على تسمية الأشياء الجديدة "وعلم آدم الأسماء كلها" )البقرة31)، ومن تكريم الله للإنسان أن أنزل الله عزوجل الوحي على خاصة الناس من الأنبياء والرسل ليدلوهم على الصراط المستقيم "قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة 38)، وكانت قمة التكريم منح الإنسان القدرة على اختيار سبيله وطريقه في الحياة "وهديناه النجدين" (البلد 10)، "إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا" (الإنسان 3).
هذا الإنسان المكرم لم يكن بدائيا أبداً، فلقد عاش في الجنة وعرف النعيم والمتعة والحضارة والمدنية، ولذلك حين بدت عورة آدم وحواء بعد أكلهم من الشجرة المنهية بسبب وسوسة إبليس "طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" (الأعراف 22)، والشاهد هنا أن آدم وحواء كانا يعرفان اللباس وستر العورة، ولذلك لجآ لأقرب بديل عنه وهو التستر بورق الشجر - وقيل هو ورق التين - الذي يلزقونه مع بعضه حياءً من الله عز وجل.
وقد أورد الإمام الطبري في تفسيره وتاريخه كثيراً من الروايات منها أثر عن ابن عباس أن الله عز وجل قال لآدم: "فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا"، قال فأهبط من الجنة وكانا يأكلان منها رغداً، فاهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعُلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله. وعن ابن عباس أيضاً: " ثلاثة أشياء نزلت مع آدم السندان والكلبتان والميقعة يعنى المطرقة".
ومن الإشارات القرآنية لمعرفة وقدرة الإنسان الأول ما ذكره لنا القرآن في قصة نوح عليه الصلاة والسلام الذي كان بعد آدم بعشرة قرون، من أمره ببناء السفينة، قال تعالى: "واصنع الفلك بأعيننا ووحينا" ( هود37)، قال ابن كثير: "وحينا" أي تعليمنا لك ما تصنعه"، وذكر بعدها روايات في تفاصيل بناء السفينة، ومعلوم أن صنع السفينة يحتاج إلى معرفة عقلية وعلمية وقدرة عملية وأدوات مساعدة، ولا يمكن لوهم بدائية الإنسان من القيام بذلك، لأنها لم تكن سفينة صغيرة أو مجموعة ألواح مصفوفة إلى بعضها بشكل بسيط، لأن الطوفان كان شديدا وضخما فتحتاج النجاة منه إلى سفينة قوية وكبيرة، كما أن حمولة السفينة كانت حمولة متعددة حيث حوت زوجين من كل الحيوانات بالإضافة إلى أهل نوح وهذا الأمر يحتاج لمساحة كبيرة.
من خلال هذه الآيات والروايات يتضح لنا عدم بدائية الإنسان وأنه قد منح من الله عزوجل العقل والمعرفة وبعض الأدوات الأساسية، التي تساعده على أداء مهمته في الأرض وهي عمارتها بالعمل الصالح تجاه الله عزوجل بالعبادة والطاعة وتجاه الناس بالإحسان والعدل معهم، وهذه الآيات والروايات تفسر لنا أيضاً تناقض بعض الاكتشافات الأثرية الحديثة مع فرضيات علماء التاريخ والاجتماع والإنثربولوجيا، فقبل عامين تقريبا أعلن عالم الآثار الألماني كلاوس شميدت عن اكتشاف معبد يرجع بناؤه إلى العصر الحجري، أي قبل 11500 سنة أي أنه أقدم من الأهرامات في مصر وانتشار حروف الكتابة في العالم وبعد مضي وقت قصير على انتهاء العصر الجليدي، ويقع في جنوب شرق تركيا بالقرب من الحدود السورية أطلق عليه اسم "غوبالكي تيبي" نقشت على جدرانه نقوش لثعالب وعقارب وأسود ودببة برية وطيور.
وهذا الاكتشاف ينسف فرضيات سائدة كثيرة منها أن هذه الفترة (11500 سنة ق.م) لم تكن سوى مرحلة الجمع والالتقاط والتي تلاها مرحلة الصيد، أي أن هذه الفترة كانت قبل مرحلة الزراعة وقبل اكتشاف النار واختراع الفخار، فكيف وجدت نقوش الحيوانات التي يفترض أن الإنسان لم يعرف صيدها إلا بعد سنوات طويلة جداً!.
الأمر الآخر المحير هو كيف بني هذا المعبد ونقشت هذه النقوش والمفترض أن الإنسان في تلك الفترة لم يتوصل لصنع الأدوات؟! وأن بناء مثل هذا يحتاج لمعرفة في علوم متعدد ومحترفين في العلوم الرياضية المتعلقة بالحساب والقياس، ونقل الحجارة، وصولا إلى تغذية العمال مما لا يتناسب بشكل مع مجتمع ما قبل الزراعة والمعدن. وقريب من هذا الاكتشاف ما أعلنته مجلة The Prestigious peer review journal science الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ 11 يناير 2002م عن عثور عدد من العلماء وفريق من الباحثين على قطعتين حمراوين من النقوش الفنية داخل كهف يعود تاريخه إلى أكثر من 77 ألف عام في إزكولو بجنوب أفريقيا، و أن تلك النقوش تحمل شعارات ورموزا تدل على أن من صنعها كان يمتلك قدرة في الإبداع والفكر، لاحتواء تلك النقوش على شكل هندسي رائع، كما اكتشف داخل الكهف آلات أخرى مصنوعة من العظام، التي استدل بها المكتشفون على أن القدماء الأفارقة كانوا أقدم من عرف السلوك الحضاري قبل أكثر من 35.000 عام من الأوروبيين.
ولا تزال الاكتشافات تظهر المزيد من تناقض كل النظريات الباطلة وغير المستندة إلى الحقائق أو الواقع الصحيح، وفي نفس الوقت تنسجم مع حقائق الوحي الإلهي في القرآن الكريم المحفوظ من النقص أو الخطأ أو التحريف، ليكون حجة ودليلاً لطالبي الحق والهداية.
* مثال معاصر لتحريف التوحيد وظهور الوثنية
كنا قد بينا في المقالين السابقين للرؤية القرآنية تجاه بداية البشرية، وأن البشرية منذ خلقها الله عز وجل وهي تدين بالإسلام وكرمت بالعلم والمعرفة والوحي، وأن الشرك والوثنية والجهل والانحطاط هي أحوال طارئة على البشرية بعد التوحيد والإسلام والعلم والمعرفة وسكن الجنة.
وهذا المقال سيعرض لنموذج حي ومعاصر لكيفية تحول الموحدين والمتعلمين لمشركين أو وثنيين وجهلة بعد العلم والمعرفة، وهذا المثال سيكون من جزيرة مدغشقر التي تعتبر رابع أكبر جزيرة في العالم، تقع مدغشقر في المحيط الهندي في جنوب شرقي قارة أفريقيا مقابل سواحل موزانبيق، التي وصلها الإسلام في القرن الثاني الهجري عندما وصل إلى أفريقيا ودخلها عن طريق جزر القمر، تقول عنها موسوعة ويكبيديا " حاولت البرتغال احتلالها سنة 913 هـ ولكن المسلمين قاوموا وحالوا دون دخولهم الجزيرة، ولكنهم عادوا الكرة مرة أخرى في السنة التالية 914 هـ، ودمروا معظم مدن الجزيرة و سيطروا عليها و تعاقب عليها الاحتلال فحاولت بريطانيا احتلالها في مستهل القرن الماضي و ضمها إلى جزر موريشوس و لكن تغلبت فرنسا في السباق واحتلت مدغشقر في سنة 1285 هـ -1868 م و ظل الاحتلال الفرنسي بها حتى نالت استقلالها في 1385 هـ- 1965 م".
وصلت إلى مدغشقر قبائل عربية مسلمة جاءت من الحجاز وبالتحديد من مدينة مكة وجدة قبل 800 سنة تدعى اليوم قبائل الأنتيمور، وغالبهم اليوم للأسف وثنيون واقعون في الشرك بسبب الجهل والضياع وسياسات الاستعمار وبعثات التبشير التي عملت على طمس الهوية الإسلامية، كحال كثير من القبائل العربية والمسلمة الضائعة في أفريقيا، مثل قبيلة الغبرا في شمال كينيا، وقبيلة البورانا في جنوب إثيوبيا ،وبعض قبائل السكلافا في غرب مدغشقر، والفارمبا في جنوب زيمبابوي، وعودة هؤلاء العرب والمسلمين للوثنية مأساة يدمى لها قلب كل مؤمن. ينقل لنا د. عبد الرحمن السميط - الداعية الإسلامي المتخصص بقضايا مسلمى أفريقيا -مشاهداته للأحوال الدينية اليوم لقبائل قبائل الأنتيمور والسكلافا على النحو التالي:
قبائل السكلافا يصلون الجمعة في المسجد، والأحد في الكنيسة، والاثنين يعبدون الأشجار!! ومن معتقدات قبائل الأنتيمور أن جدهم الأكبر جاء من بلدة في الشمال أسمها "جدة"، وأن بقربها قرية اسمها "مكة"، فيها رجل صالح يحبه أجدادهم اسمه "محمد" صلى الله عليه وسلم، ومن أجدادهم "رابكاري" أي صاحب الفخامة أبوبكر، و"راماري" أي صاحب الفخامة عمر، و"را اوسماني" أي صاحب الفخامة عثمان، وأن جدهم الأكبر يسمونه "زاعليو مكرار" أي: صاحب الفخامة علي الكرار، وأمهم "رامينا" أي صاحبة الفخامة أمينة.
أما كتابهم المقدس فيسمونه "السورابي" أي الكتاب الكبير، ويكتبونه بالحرف العربي القرآني، وفيه شيء من القرآن ولكن أخطائه كثيرة كما فيه من تاريخهم وأذكار متنوعة وشيء من الشعوذة والسحر، ويقع الكتاب في أكثر من عشرين جزءاً، ويكتبونه على ورق يصنعونه بأيديهم من أوراق أشجار معينة يطبخونها حتى تصبح عجينة ثم يفرشونها ويتركونها تنشف.
كما أنهم يحرمون أكل لحم الخنزير وتربيته، ولا يأكلون إلاماذبحوه بالطريقة الشرعية، وقد أقاموا في قرية بقرب مدينة ( ماجونغا )التي تعد أكبر مدن المسلمين في مدغشقر " كعبة " يحجون إليها مرة كل سنة، ويشترطون لمن يريد الحج أن يلبس ملابس غير مخيطة، و يحرصون في حجهم على الإكثار من الدعاء وذبح ذبيحتهم،.وعندهم قرية أسمها "مكة" يعرفون أنها موطن أجدادهم وأنها في الشمال فقط وعندهم قرى تسمى "حجاز" و"مصري"!!
وكثير من أفراد هذه القبائل المسلمة سابقا لا يعرف ما هو القرآن أو الفاتحة أو عدد الصلوات، وحين سألهم د. السميط عن دينهم قالوا: " أنهم مسلمون بروستانت"!! ولما استفسر عن هذا الجواب العجيب، قالوا:" أن أجدادهم أخبروهم أنهم مسلمون لكنهم لا يعرفون الصلاة ولا الصوم وأن المبشرين البروستانت المسيحيين جاءوا وأخبروهم أن الإسلام والبروستانتية شيء واحد وأنهم علموهم الصلاة وبنوا لهم كنيسة وأعطوهم الإنجيل"!!
ولا تزال عندهم كلمات عربية محرفة مثل أسماء أيام الأسبوع فهي عندهم، كالتالى: سابوتسي يعني السبت، أهادى يعني الأحد، اسنين يعني الاثنين، تلاتا يعني الثلاثاء، أربعا يعني الأربعاء، كميس يعني الخميس، زومعه يعني الجمعه.
ويُقدّر مختصون عدد أفراد القبائل التي تحولت من الإسلام إلى الوثنية أواللادينية بما يتراوح بين أربعين إلى خمسين مليون نسمة، ولكن بحمد الله توجد اليوم جهود مشكورة في تعريف هؤلاء الناس بحقيقة أصولهم العربية وهويتهم الإسلامية وتلقى قبول ونجاح.
وللدكتور السميط عدة برامج تلفزيونية عن مسلمي أفريقيا بالعموم وقبائل الأنتيمور بالخصوص منها حلقة بعنوان " قبائل الأنتيمور وعرب مدغشقر " ضمن برنامج تحت المجهر فيها الكثير من العجائب والغرائب.
وهكذا تقدم لنا هذه القصة المحزنة مثال ونموذج عملي يبرهن على أن ظهور الوثنيات القديمة هو متأخر عن ظهور التوحيد، وأن وجود شيء من مظاهر التوحيد هو بسبب سبقه، لا أن الإنسان تدرج في الوثنية حتى اخترع التوحيد، ومن ثم جاءت مرحلة الديانات والرسالات السماوية، كما تزعم الرؤية العلمانية!!
الباطل لا يظهر إلا بعد معرفة الحق، لأن الحق ينمو بالعلم والمعرفة، والباطل يزدهر في أوساط الجهل، فحين ضعفت القوة الإسلامية لضعف العلم وانتشار المعاصى، زالت بالاستعمار، عندها استفحل الجهل حتى عم الشرك وطم.
وهذا ما حدث مع أبينا آدم عليه السلام فبسبب المعصية، أخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض، وكذلك الأمم السابقة، حين ضعفت الاستقامة والهداية بين الناس ساد الشرك والبدعة والخرافة، حتى ظهرت الوثنية وعبدت الأصنام والأحجار،بل انحط العقل البشري فعبد الحيوانات القذرة كالفأر، بل عبد الشيطان، وشاعت الفواحش والمظالم بدل العدل والمكارم، وعند ذلك جاءهم العقاب الإلهي.
ولعل هذا الانحطاط في التفكير والسلوك والعبادة هو أحد معاني قوله تعالى: " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين" ( التين 4-5).
المصدر : شبكة القلم الفكرية
الجمعة، 31 ديسمبر 2010
التطابق بين قانون الرازي الاشعري وقانون المريسي الجهمي
التطابق بين قانون الرازي الاشعري وقانون المريسي الجهمي
بسم الله الرحمن الرحيم
التطابق بين قانون الرازي الاشعري وقانون المريسي الجهمي
قال الرازي الاشعري في قانونه الكلي : " ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه (الدلائل النقلية*) إما أن يقال : إنها (غير صحيحة*) ، أو يقال : إنها صحيحة إلا أن (المراد منها غير ظواهرها*) .
ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى ." ا.هـ
ونقارن الان قانون الرازي الاشعري بأساليب الجهمية (سلف الاشاعرة) في محاربة أهل السنة بالتقية :
قال الشيخ د. عبد العزيز آل عبد اللطيف في مقال : عنيف القول ولطيفه تجاه السلف " وقد يستغرب القارئ الكريم إذا علم أن هذا الكيد الخفي هو سبيل قديم لأهل البدع الذين مردوا على النفاق؛ كما كشفه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280هـ) - رحمه الله - قائلاً: «بلغنا أن بعض أصحاب بشـر المريسـي قال: كيف تصنعون بهذه (الأسانيد*) التي يحتجون بها علينا في ردِّ مذهبنا مما لا يمكن التكذيب بها؟ قال: (لا تردُّوه*) فتفضحوا، (ولكن غالطوهم بالتأويل*)، فتكونوا قد رددتم بلطف؛ إذ لم يمكنكم ردٌّ بعنف»" (الرد على بشر، ص 556.) من للشيخ د/عبدالعزيز آل عبداللطيف
وهذا جدول المطابقة من النقول السابقة :
مصطلحات الرازي = مصطلحات المريسي
(الدلائل النقلية*) = (الأسانيد*)
(غير صحيحة*) = (لا تردُّوه*)
(المراد منها غير ظواهرها*) = (ولكن غالطوهم بالتأويل*)
بقي قول الرازي : "وإن لم يجز التأويل (فوضنا العلم بها*) إلى الله تعالى ". فننقل هذه القطعة "وأما الرب تعالى فإنا (لا ندري ما عنى*) بذلك ؟" من الرواية التالية التي تثبت أن تفويض المعنى منهج الجهمية منذ القدم.
(الدلائل النقلية*) = (الأسانيد*)
(غير صحيحة*) = (لا تردُّوه*)
(المراد منها غير ظواهرها*) = (ولكن غالطوهم بالتأويل*)
بقي قول الرازي : "وإن لم يجز التأويل (فوضنا العلم بها*) إلى الله تعالى ". فننقل هذه القطعة "وأما الرب تعالى فإنا (لا ندري ما عنى*) بذلك ؟" من الرواية التالية التي تثبت أن تفويض المعنى منهج الجهمية منذ القدم.
ذكر الإمام أبو عثمان الصابوني في عقيدته قال :
" قرأت لأبي عبد الله ابن أبي البخاري وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني قال أبو عبد الله أعني ابن أبي حفص هذا سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول :
قال حماد بن أبي حنيفة : قلنا لهؤلاء أرأيتم قول الله عز و جل وجاء ربك والملك صفا صفا ؟
قالوا : أما الملائكة فيجيئون صفا صفا ، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك ؟ ولا ندري كيفية مجيئه ؟
فقلت لهم : إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه ، أرأيتم إن أنكر أن الملائكة تجيء صفاً صفاً ماهو عندكم ؟
قالوا: كافر مكذب.
قلت : فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب " ا.هـ
راوه أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف وإسناده صحيح
قالوا : أما الملائكة فيجيئون صفا صفا ، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك ؟ ولا ندري كيفية مجيئه ؟
فقلت لهم : إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه ، أرأيتم إن أنكر أن الملائكة تجيء صفاً صفاً ماهو عندكم ؟
قالوا: كافر مكذب.
قلت : فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب " ا.هـ
راوه أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف وإسناده صحيح
فقول هذا المفوض هنا الذي حاوره حماد :
" وأما الرب تعالى ، فإنا لا ندري ما عنى بذلك ، ولا ندري كيفية مجيئه "
دال على أن ادعاء الجهل بالمعنى والذي هو تفويضٌ هو مذهب أهل التعطيل
ويراه حماد بن أبي حنيفة غير كاف في الإيمان بهذه الصفة ، بل عندما اعترض هذا المفوضُ بأنه لا يدري المعنى ولا الكيفية عقّب حماد بإقراره على عدم الدراية بالكيفية خلافا لعدم درايته للمعنى فلم يقره عليها وذلك عندما قال الإمام حماد :
" إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته "
وترَكَ موافقته على عدم علمه بالمعنى ، ولم يقل ولم نكلفكم دراية ما عنى
" وأما الرب تعالى ، فإنا لا ندري ما عنى بذلك ، ولا ندري كيفية مجيئه "
دال على أن ادعاء الجهل بالمعنى والذي هو تفويضٌ هو مذهب أهل التعطيل
ويراه حماد بن أبي حنيفة غير كاف في الإيمان بهذه الصفة ، بل عندما اعترض هذا المفوضُ بأنه لا يدري المعنى ولا الكيفية عقّب حماد بإقراره على عدم الدراية بالكيفية خلافا لعدم درايته للمعنى فلم يقره عليها وذلك عندما قال الإمام حماد :
" إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته "
وترَكَ موافقته على عدم علمه بالمعنى ، ولم يقل ولم نكلفكم دراية ما عنى
مصدر رواية الصابوني والتعليق عليها: التفويض في الصفات و حقيقة مذهب السلف
هوس التفسير السياسي
هوس التفسير السياسي
بقلم: فهد العجلان
11محرم 1432هـ
تتملكني الدهشة والإعجاب كلما نظرت في بعض المواقف الصارمة لأئمة السلف من الأحكام الفقهية المتعلقة بالتعامل مع (السلطة السياسية).
ولو فتح الشخص صفحة ذلك التاريخ لانهالت على ناظريه عشرات القصص والأخبار في إنكار الدخول على السلاطين، أو تولي القضاء لهم، وإسقاط الرواية عمَّن وجدوه مترخصاً في ذلك، إلى مواقف أشد حسماً وصرامة كمثل ما روي أن (خلفاً البزار) رفض الرواية عن شيخه (الكسائي) بسبب أنه سمعه مرة يقول: سيدي الرشيد، فقال: (إن إنساناً مقدار الدنيا عنده أن يجعل من إجلالها هذا الإجلال لحري أن لا يؤخذ عنه شيء من العلم)[1].
وأتساءل مع القارئ الكريم: ما سبب هذه الصرامة المنهجية التي سلكها أولئك الأئمة؟
يحلو لكثير من الناس أن يبحث لها عـن مبـررات وأعذار؛ لأن ثَمَّ قنـاعة في التفكير الفقهي المعاصر بعدم رجحان مثل هذه
المواقف بناءً على قاعدة جلب المصالح ودفع المفاسد، وهي آراء قابلة في تفاصيلها للاجتهاد والأخذ والرد.
غير أن ما يدهش المتابع حقاً أن هذا الموقف في جملته قد كان صيانة ربانية وعناية إلهية لهذه الشريعة من حيث لا نشعر؛ لأن (التفسير السياسي) هو أعظم قوس جائرة سُدِّدت إلى جسد التراث الإسلامي؛ فكل الدراسات الفكرية المعاصرة التي أخذت تنبش في تاريخ الإسلام وتراثه كانت تعتمد بشكل رئيس على تأثير السياسة على النصوص الشرعية وطرائق الاستدلال والاجتهاد، وأن الأحكام والنصوص لم يكن مردُّها إلى التشريع والديانة بقدر ما هي متأثرة بواقعها الذي صاغته السياسة.
وحين يعرف المتابع حقيقة ما كان عليه العلماء في ذلك الزمن، وبُعدَهم عن السلطة، وتحاشيهم عنها، وتحفُّظهم من مجرد الدخول عليها أو تولي القضاء لديها، فإنه سيجد أن مثل هذا الاتهام ضرب من الهجاء والشتيمة لا أساس له من البحث العلمي.
يغطي التفسير السياسي مساحة واسعة في حركة خلايا العقل العَلماني المعاصر، ولو تعطل هذا التفسير لتوقفت حركة تلك القراءات عن البحث في تراث الفقهاء ونصوص السَّنة؛ فلا يقرأ الباحث منهم أي حكم أو ينظر في أي نص إلا ويفتش عن أثر السياسة في الموضوع، وبطريقة كسولة جداً لا تتعدى ربط أي نص شرعي بأقرب حدث سياسي، وتعليق أي حكم بأدنى سلطان
(فما من شيء في هذا التاريخ إلا وهو مبصوم بخاتم السياسة: الفكر، والفقه، والاجتماع، والاقتصاد، واللغة، والفن، والجغرافيا، والسيكولوجيا، بل النص الشرعي ذاته)[2].
فكلها مصبوغة بالسـياسة، ولم يبـقَ ما هو خارج عن تأثير السياسة إلا شيء واحد، وهو ما يكتبه مثل هذا المؤلف، والبحوث والأفكار التي يقررها فهي بلا شك بعيدة عن تأثير السياسة التي تبصم على كل شيء.
ومع أن التفسير السياسي هو أكبر الأدوات التفسيرية التي يعتمدها هؤلاء في قراءتهم للتراث، وهو أكثرها شيوعاً وحضوراً؛ إلا أنه في الوقت نفسه أضعف نقطة وأهش زاوية يعتمدون عليها؛ فنشر نماذج وأمثلة للتفسير السياسي على السطح كافٍ لكشف المستوى الموضوعي والعلمي لتلك الدراسات، وأن هذا التفسير يعبر عن حالة مَرَضيَّة أكثر من تعبيره عن روح علمية.
فأحدهم يقرر تأثير السياسة على الشافعي؛ لأنه:
(الفقيه الوحيد من فقهاء عصره الذي تعاون مع الأمويين مختاراً راضياً)[3].
ولشدة ضغط المرض السياسي خفي عليه معرفة مولد الشافعي الذي يعرفه الجميع وهو (سنة 150هـ)؛ أي: بعد زوال الدولة الأموية بثماني عشرة سنة.
وباحث آخر يفسر الظاهرية التي كان عليها (ابن حزم) بأنها موقف سياسي اتخذه ابن حزم لأجل أن الدولة الأموية بالأندلس تحتاج لمشروع يناهض المشروع الثقافي لخصميها (العباسي) و (العبيدي) فجاءت بابن حزم:
(لينطق باسمها ويحمل مشروعها الثقافي)[4].
وقد أعماه التفسير السياسي عن إدراك الحقيقة التاريخية الواضحة من أن الدولة الأموية بالأندلس قامت سنة (138 هـ)؛ أي: قبل مولد ابن حزم بما يقارب قرنين ونصف من الزمان؛ إذ ولد سنة (384 هـ)، وسقطت الدولة سنة (422 هـ) وابن حزم ما يزال في عز شبابه (ت 456هـ).
ومؤلِّف ثالث يتهم كعب الأحبار بأنه يروي الأخبار تملُّقاً لعبد الملك بن مروان[5] مع أن كعباً قد توفي عام 34 هـ قبل أن يتولى عبد الملك الخلافة بما يزيد عن ثلاثين سنة، وهي فضيحة يستحي منها أي باحث لم يبتلى بمرض التفسير السياسي.
وقد كنا نحسب مصطلح (إجماع أهل المدينة) عند المالكية دليلاً وأصلاً شرعياً، لكننا لم ننتبه لكونه سلاحاً سياسيّاً وعصياناً للسلطة كما تفطَّن أحدهم حين قال: (فلو أراد إمام دار الهجرة التقرب إلى السلطة السياسية لوجد الطريق إلى ذلك سهلاً، بإسقاط هذا الأصل الذي انفرد به دون غيره، والذي يكفي لندرك بعده أن نرى فيه محاولة لإضفاء الشرعية على إجماع أولئك الذين قاوموا طويلاً سلطتي دمشق وبغداد)[6].
وخذ من الأمثلة والقراءات العقلانية التي تحكم على الحديث إذا ورد في فضل أحدٍ بأنه من وضع أنصاره، وإذا ورد في ذم أحد بأنه من وضع أعدائه، وأي نص له علاقة بالواقع فهو من صياغة الواقع له.
ومع ذلك، فالهوس بالتفسير السياسي لم يكن من إبداعهم وابتكارهم، بل نقلته تلك الدراسات المعاصرة من المدرسة الاستشراقية التي غرستها في أدمغة تلاميذها المقلدة فما عادوا يبصرون جيداً من دونها، وقد أحسن العلاَّمة (المعلمي) وصف بعض أسباب الخلل لديهم من أنهم:
(إنما يعرفون الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منها)[7]؛
فهؤلاء الناس يعرفون الدواعي لتأثير السياسة من جهة قوة السلطان ورغبة الناس في التملق إليهم لكنهم لا يعرفون الموانع التي تحول دون تأثير السياسة كمثل ما عليه العلماء من الديانة والعدالة، ونفرتهم من الكذب، وما جرى من صيانة للعلم بالرواية والتدوين والجرح والتعديل مما يجعل تأثير السياسة فيها مستحيلاً.
فحقيقة الأمر أن كثيراً من القوم إنما يعبرون عما يجدونه في نفوسهم، فإذا شاهدوا تأثير السياسة على تغيير قناعاتهم ومذاهبهم ظنوا أن غيرهم لن يكون أحسن حالاً منهم، مع كثافة جهلٍ تحول دون فهمهم لحال التراث والشريعة التي يريدون تقديم تفسير لها، للحد الذي يقرر فيه أحدهم:
(لقد كان القائمون بجمع الروايات (النصوص) من المحدثين هم أنفسهم الفقهاء الذين يمارسون اللحظة ذاتها، عملية التدوين النصي وعملية التنظير الفقهي وفي ظل هذا الوضع لا يؤمَن من التداخل والقلب بين التشريع والتفسير)[8]،
فهو يتصور أن الفقهاء لم يكونوا يفرقون بين أقوالهم وبين أقوال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيمكن للفقيه أن تختلط عليه فيجعل قوله هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث لا يشعر، فهذا التصور الظريف في فهم تاريخ المسلمين يفسر لك سر تضخم هذا الوهم في رؤوسهم.
هذا (التفسير السياسي) لا يقوم على أي إثبات أو برهنة علمية، فطريقتهم تقوم على ربط أي حكم أو نص شرعي بالسياسة من دون أي دلائل قاطعة، وإنما لأنه يشك – أو يريد أن يشك بالأصح - يبدأ في البحث عن أي مؤثر سياسي من دون أي يقدم على ذلك أي برهنة، وهذه الطريقة في إنكار الحقائق والطعن في الشرائع بمحض الأوهام ليست مبتكرة لهم فهي طريقة قديمة في التعامل مع محكمات الشريعة،
فهذا أحد المبتدعة القدامى يدعي أن الزنادقة قد دسوا على أهل الحديث اثنا عشر ألف حديث من حيث لا يشعرون (لاحظ ضخامة العدد)، وهو ما دفع الإمام الدارمي إلى الجواب عنه متهكماً:
(دونك أيها المعارض فأوجدنا عشرة أحاديث دلسوها على أهل العلم... أو جرب أنت فدلس عليهم عشرة حتى تراهم كيف يردونها في نحرك)[9].
هل معنـى هذا أن السـياسة لا تؤثر ولا تستغل الأحكام الشرعية؟
أبداً، بل لها تأثير ولا شك في ذلك، لكن تأثيرهم لم يمسَّ أصل الشريعة ولا نصوصها ولا مذاهب الفقهاء وأصولهم؛ فالتأثير يكمن في استغلال بعض النصوص والمواقف، وربما في تقديم بعض الفقهاء لأهوائهم وشهواتهم إرضاءً للسياسة لكن ذلك لا يضر إلا من فعل، أما نصوص الشريعة وأصول الاستدلال وقواعد الفقه فقد كانت في منعة أي منعة، عن التأثر بذلك، وكل محاولة تُثبِت خلاف ذلك فإنها ما زالت عاجزة عن إقامة أي إثبات علمي سوى الاعتماد على الشك والخرص علـى طريقة أحدهـم حين يحلـل أحـداث التـاريخ منطلقـاً مـن (يبـدو) و (أظـن) و (لا يُسْتبعَد)، ثم بعد ذلك (فتحصل يقيناً)[10].
--------------------------------------------------
[1] انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح: 2/133.
[2] السلطة في الإسلام، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، لعبد الجواد ياسين، ص 168.
[3] الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، نصر حامد أبو زيد، ص 16.
[4] تكوين العقل العربي، لمحمد عابد الجابري، ص 309.
[5] السلطة في الإسلام، لعبد الجواد ياسين، ص 274.
[6] الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، لعبد المجيد الصغير، ص 235.
[7] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، لعبد الرحمن المعلمي: 1/27.
[8] السلطة في الإسلام، لعبد الجواد ياسين، ص 321.
[9] نقض عثمان بن سعيد، ص 401.
[10] أشير هنا وأشيد برسالة لطيفة بعنوان (التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي المعاصر) للأستاذ الباحث: سلطان العميري، وهي من إصدارات مركز التأصيل للدراسات والبحوث، فهي جديرة بالقراءة والاطلاع.
المصدر : الدرر السنية
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)